الأخبار

بحث دكتوراه يعزّز الصمود المناخي للجزر الاصطناعية في الإمارات

في قاعات جامعة السوربون التاريخية، إحدى أقدم وأرفع صروح التعليم العالي في العالم، ناقش الباحث الدكتور وليد ماكني أطروحته لنيل درجة الدكتوراه بنجاح يوم 24 يونيو 2026، أمام لجنة علمية دولية ضمّت أساتذة وباحثين بارزين. وتمثّل هذه المناقشة تتويجاً لمسار علمي بدأ في أكتوبر 2022، ليمتد قرابة أربع سنوات من البحث متعدد التخصصات، تناول أحد أهم التحديات البيئية والهندسية التي تواجه منطقة الخليج. 

وأُجري البحث في إطار مدرسة الدكتوراه للجغرافيا في باريس (ED434)، تحت إشراف الأستاذ كوزماس بافلوبولوس، مدير الأطروحة. وتولى رئاسة لجنة المناقشة الأستاذ دوني مرسييه، الذي قاد عملية التقييم العلمي للأطروحة. كما شاركت عن بُعد في أعمال اللجنة الأستاذة ماريا مينيغاكي من الجامعة التقنية الوطنية في أثينا (NTUA) باليونان، في انعكاس للطابع الدولي لعملية التقييم. وشرَّف المناقشةَ بحضوره الأستاذ نادر مصمودي، عالم الرياضيات المرموق عالمياً، الأستاذ في جامعة نيويورك، والحائز على جائزة فيرمات المرموقة، الذي حضر بصفة ضيف شرف. 

وحملت أطروحة الدكتور وليد ماكني عنوان «الصمود الجيوتقني للجزر الاصطناعية في الإمارات العربية المتحدة في ظل تغيّر المناخ: توقعات بعيدة المدى ومنظورات للمراقبة»، وقدّمت واحدة من أشمل الدراسات التي أُجريت حول التفاعل بين تغيّر المناخ المتوقع والرمال الكلسية المُستصلَحة التي تشكّل أساس الجزر الاصطناعية. ولم تقتصر الدراسة على ظواهر هندسية منفردة، بل دمجت بين الجغرافيا والهندسة الجيوتقنية والعلوم البيئية وتقنيات الرصد الأرضي ضمن إطار علمي موحّد، قادر على تقييم كيفية تأثير الظروف البيئية المستقبلية تدريجياً على البنية التحتية الساحلية المُستصلَحة خلال العقود المقبلة. 

بحثٌ يستند إلى تعاون علمي دولي 

أُجري هذا البحث في إطار تعاون علمي دولي ضمّ جامعة السوربون، وجامعة السوربون أبوظبي، وجامعة نيويورك أبوظبي، ومعهد البحوث «سافير» (SAFIR) التابع لجامعة السوربون أبوظبي، ومختبر البحوث «ميديسيون» (Médiations – Sciences des lieux, sciences des liens) في باريس، ومركز «شورز» (SHORES) في جامعة نيويورك أبوظبي، وجامعة أرسطو في ثيسالونيكي باليونان. وقد جمع هذا التعاون بين خبرات متنوعة في الجغرافيا والهندسة الجيوتقنية والعمليات الساحلية والعلوم البيئية والاستشعار عن بُعد بالأقمار الصناعية والنماذج الفيزيائية والمحاكاة العددية، بما يعكس الأهمية المتزايدة للشراكات متعددة التخصصات في مواجهة التحديات الهندسية المرتبطة بتغيّر المناخ. 

وقد مكّن هذا التعاون من دمج قدرات علمية متكاملة، تمتد من التجارب المعملية المتقدمة والنماذج الجيوتقنية الطرْدية (centrifuge) الكبيرة، إلى الرصد الأرضي بالأقمار الصناعية والمراقبة البيئية والتحليل العددي التنبؤي، لتأسيس إطار متعدد التخصصات قادر على دعم التخطيط الساحلي المستند إلى الأدلة العلمية، وتعزيز صمود البنية التحتية على المدى الطويل. 

دعمٌ بحثي من بعثة «كوبرنيكوس» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ومعهد «سافير» 

شكّل الدعم البحثي الدولي الذي حصل عليه المشروع خلال برنامج الدكتوراه محطة مهمة في مسار البحث، حيث حصلت الدراسة على تمويل من معهد البحوث «سافير» التابع لجامعة السوربون أبوظبي، دعماً لعناصر أساسية من التجارب المعملية والتحليلات العددية التي أُجريت طوال فترة الدراسة. 

كما حصل البحث على دعم من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) من خلال برنامج «شبكة الموارد» (NoR) الداعم لبعثة كوبرنيكوس لرصد الأرض، وهو ما وفّر إمكانية الوصول إلى موارد فضائية متقدمة شكّلت عنصراً أساسياً في أبحاث الاستشعار عن بُعد. وقد عزّز دمج بيانات أقمار كوبرنيكوس بشكل ملموس منهجية الرصد بتقنية «InSAR» التي طُوّرت خلال البحث، وساهم في صياغة إطار المراقبة المقترح للجزر الاصطناعية على المدى الطويل. 

وقد أصبحت الجزر الاصطناعية رمزاً عالمياً يعبّر عن التميّز الهندسي لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتنوّعها الاقتصادي، ورؤيتها الطموحة في التنمية الساحلية. فمن المشروعات الساحلية ذائعة الصيت عالمياً، إلى التجمعات السكنية الاستراتيجية والمقاصد السياحية والبنية التحتية الحيوية، تساهم الجزر المُستصلَحة بشكل كبير في النمو الاقتصادي للدولة واستراتيجيتها التنموية بعيدة المدى. ومع تصاعد وتيرة تغيّر المناخ، أصبح ضمان صمود هذه المشروعات أولوية علمية متزايدة الأهمية. 

حماية البنية التحتية للطاقة في الحقول البحرية 

ويحمل صمود الجزر الاصطناعية أيضاً بُعداً استراتيجياً بالنسبة لقطاع الطاقة، إذ تعتمد نسبة كبيرة من البنية التحتية الساحلية والبحرية الداعمة لإنتاج النفط والغاز في المنطقة على الثبات الهيكلي للأراضي المُستصلَحة؛ وبذلك فإن حماية هذه الجزر من التدهور المرتبط بالمناخ تُعدّ، في جوهرها، ضماناً لاستمرارية إنتاج الطاقة وأمنها. 

ولمواجهة هذا التحدي، جمع الدكتور وليد ماكني بين التجارب المعملية المتقدمة، والنماذج الفيزيائية بتقنية الطرد المركزي الجيوتقني، والمحاكاة العددية بطريقة العناصر المحدودة، ومراقبة الأقمار الصناعية بتقنية «InSAR»، ضمن منهجية علمية متكاملة واحدة. وجاءت الملاحظات المعملية مدعومة بنماذج هندسية متطورة، وتم التحقق منها عبر تقنيات الرصد الأرضي، بما أتاح فهماً شاملاً للظروف الراهنة والتوقعات المستقبلية على حدٍّ سواء. 

ومن أبرز نتائج البحث ما يتحدّى فرضية هندسية سائدة منذ زمن طويل بشأن السلوك المستقبلي للجزر المُستصلَحة؛ فبدلاً من توقّع تدهور موحّد في عموم الكتلة الأرضية المُستصلَحة، تُثبت الدراسة أن التغيّر الناجم عن المناخ يتبع نمطاً جغرافياً محدداً، حيث تتركّز أعلى مستويات التدهور بعيد المدى قرب الحدود الساحلية المكشوفة، في حين يبقى قلب الجزيرة الداخلي محمياً نسبياً بفضل السلوك التحصيني الطبيعي للمواد الكربونية. ويقدّم هذا الاكتشاف فهماً أكثر دقة للمخاطر الجيوتقنية المرتبطة بالمناخ، ويؤسس قاعدة علمية لاستراتيجيات مراقبة موجّهة، بدلاً من التدخل الموحد عبر كامل المشروعات المُستصلَحة. 

وفضلاً عن تحديد المخاطر المستقبلية، يقترح البحث إطاراً متكاملاً للمراقبة يرتكز على مفهوم «التوأم الرقمي» (Digital Twin) للجزر الاصطناعية. ويجمع هذا الإطار المقترح بين الرصد الفضائي، والتجارب المعملية، والقياسات الميدانية، والنماذج الهندسية التنبؤية، ضمن منصة لدعم القرار تُحدَّث باستمرار، وقادرة على مراقبة أداء البنية التحتية طوال عمرها التشغيلي. 

يوضح الرصد الساتلي للجزر الاصطناعية في دبي باستخدام تقنية رادار الفتحة الاصطناعية التداخلية (InSAR)، والمستند إلى بيانات وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، تشوهات التربة على المدى الطويل ويساهم في تقييم قدرتها على الصمود في مواجهة التغير المناخي. 

وامتد هذا البحث، الذي أُنجز خلال الفترة من أكتوبر 2022 إلى يونيو 2026، على مدى قرابة أربع سنوات من التجارب المعملية، والنمذجة العددية المتقدمة، والرصد الفضائي، والنماذج الفيزيائية، والتعاون متعدد التخصصات بين مؤسسات أكاديمية رائدة في فرنسا ودولة الإمارات العربية المتحدة. وتمثّل المناقشة الناجحة للأطروحة في 24 يونيو 2026، في رحاب جامعة السوربون التاريخية، تتويجاً لهذا المسار العلمي، ومساهمة جديدة في الحوار الدولي حول البنية التحتية الساحلية القادرة على مواجهة تغيّر المناخ. 

وتمثّل المناقشة الناجحة لأطروحة الدكتور وليد ماكني أكثر من إنجاز أكاديمي فردي؛ فقد أُجريت تحت إشراف الأستاذ كوزماس بافلوبولوس، وخضعت لتقييم لجنة دولية برئاسة الأستاذ دوني مرسييه، وأُغنيت بمشاركة باحثين مرموقين دولياً، من بينهم الأستاذة ماريا مينيغاكي والأستاذ زبير لفحج، بما يعكس تعزّز التعاون العلمي بين جامعات ومعاهد بحثية مرموقة عالمياً. ومن خلال دمج الجغرافيا والهندسة وتقنيات الرصد الأرضي ضمن إطار واحد متعدد التخصصات، تقدّم هذه الأطروحة معرفة جديدة قد تساهم في تعزيز صمود الجزر الاصطناعية مستقبلاً، ودعم التخطيط الرئيسي المستند إلى الأدلة العلمية، واستراتيجيات المراقبة بعيدة المدى للبنية التحتية الساحلية الاستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها. 

وختاما، أشاد المحضر الرسمي لمناقشة الدكتوراه بالمستوى العلمي المتميز للعرض الشفهي، مثنياً على وضوحه العلمي والتربوي وعلى المنهجية المتكاملة التي جمعت بين الاستشعار عن بُعد بالأقمار الصناعية، والتجارب المخبرية، والنمذجة الفيزيائية، والمحاكاة العددية. وبعد مداولة أعضاء اللجنة، هنأت لجنة المناقشة الدولية بالإجماع الدكتور وليد ماكني على الصرامة العلمية لبحثه، وتمكنه الكامل من موضوع الرسالة، وجودة إجاباته خلال المناقشة، وسعة ثقافته العلمية.  

الفئات


Scientific News
Blog
Research
SAFIR institute

التاريخ


شارات

اشترك في

نشرتنا الإخبارية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة السوربون أبوظبي جامعة السوربون أبوظبي

كلية البيانات والعلوم والهندسة

جامعة السوربون أبوظبي جامعة السوربون أبوظبي

كلية القانون والاقتصاد والأعمال

جامعة السوربون أبوظبي جامعة السوربون أبوظبي